الأربعاء , أكتوبر 18 2017
الرئيسية / أقلام من سيدي عامر / إعلام الهدهد أم إعلام الببغاء؟ بقلم الطيب صياد

إعلام الهدهد أم إعلام الببغاء؟ بقلم الطيب صياد

منقول من مدونة الجزيرة وبقلم الأستاذ الطيب صياد

أَمْرٌ جَلَلٌ؛ في الجزائر التي تُعَدُّ خزَّانًا بشريًّا هائلا ورافدا مُهمًّا من روافد الأمة الإسلامية التي تؤمن بتاريخها وتفخر بحضارتها الممتدة لأربعة عشر قرنًا، وتعتزُّ بكونها حاضنة للدعوة المحمدية في مطلع ظهورها على أيدي أصحاب رسول الله -عليه السلام- وقد سَالتْ على أرضها دماءُ الفاتحين الذين انطلقوا من بُرقة حتى تبلَّلت أحِصٍنَتُهُمْ بماء المحيط الأطلسي وقال قائدهم وقد رفع رأسه إلى السماء: “اللهم لو كنتُ أعلم أن وراء هذا البحر أرضًا لخُضْتُه إليها في سبيلك”.

وكان في جيشه عشراتٌ من الصحابة الكرام الذين فارقوا الأوطان والأهل والأولاد والأموال وباعوا أنفسهم لله وابتغاء مرضاته، ينشرون العدل في ربوع الأرض حتى استقبلتْهم الأمم العطشى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، تلك الأُمَمُ التي كانت تقبَع تحت سطوة حكم الفرد وَجَدَتْ في دعوة هؤلاء الفاتحين انعتاقًا من عبادة العبيد وتحرُّرًا من رِبْقة التقليد، فالْتَقَى الفتح الإسلامي على أرض الجزائر بترحاب أهل الأرض كما التقى الماءُ على أمر قد قُدِر..

الخديعة الكبرى هي أن يدندن الصحفي على غير المَواجع التي يعاني منها الشعب، فهذه خيانة لقضية الأمة مهما كان مقدار السخرية في عمود “نقطة نظام”!

في أرضٍ كهذه وهي مَهْدُ الحُرِّيَّة والثورة وأمةٍ كهذه وهي أُمَّةُ التضحية والشهامة؛ تظهر بعضُ الصَّيْحات التي تحِنُّ إلى ظلمات سلطة الاحتلال، حيث كان الإسلام محارَبًا بقوة السلاح الأوروبي وحقد الصليب وإعلام يدُسُّ السُّمَّ في العسل، لتُعيد الكَرَّة بتشويه التاريخ الإسلامي بالطعن في الصحابة الذين يُكِنُّ لهم الجزائريون كلَّ المحبة والاحترام والتعظيم، ولكن هذه المرة من كاتب جزائري كبير يشار إليه بالبنان.

لا أدري بالضبط لماذا حشر الأستاذ سعد بوعقبة نفسه في زاوية ضيقة؟ فقد كان يتحدث عن حلقة من حلقات الفساد الذي يحكم البلاد، وكعادته لا يستطيع تشخيص المرض بدقة كاملة ولكنه يحاول الدوران على العلة حتى يبقى جانبه سالمًا من نظرات أصحاب “لاجومال”، وكأن مُهِمَّتَهُ هي امتصاص غضب الشعب وتفريغ طاقتهم التغييرية في الضحك على الدوائر البعيدة من دوائر المهزلة دون إصابة الهدف، وبعبارة أخرى: فوظيفته هي توجيه موجة الغضب حتى لا تحقق الهدف الأسمى من التغيير.

ففي مقالته التي أثارت موجة استنكار كبرى ضده والتي عنونها بـ: “إعلام الهدهد لا إعلام أبي هريرة” -المنشورة كالعادة في جريدة الخبر!! بتاريخ 28 /05 /2017- حاول الأستاذ بوعقبة أن يصرف أنظار قارئيه عن جوهر المهزلة التي نعيشها منذ 1962 والتي تُوَظِّف الذراع الإعلامي توظيفا مُحْكَما وعبقريًّا بطريقة تجعل انتقاد السلطة في صالح السلطة تماما، فحتى لو افترضنا استقلالية هذه الجهة الإعلامية وكاتبها سعد بوعقبة فإن عملهم الذي يعتبرونه في تيار “المعارَضة” هو خدمة جليلة للنظام.

ذلك أن النقد الذي يُكرِّسون لأجله أقلامَهم هو نَقْدٌ لا ينبُش في حقيقة المُعْضِلة، بل يعالج قضايا جزئية -حتى وإن كانت في مستوى تعيين وزير أو إقالته، أو حتى في مستوى الكلام عن وزير فاسد أو وزيرٍ أكثرَ فسادا!!- لأن المُعْضِلة التي يعاني منها الشعب ليست في براعة وزير في أن يعمل ملتقى صحفيًّا أو ينقل معلوماتٍ دقيقةً للرئيس، ليست مشكلتنا في أن يكون الوزير فصيحا بالعربية أو أمينًا في إعطاء المعلومات، الأستاذ بوعقبة يدرك جيدا أنه لو تحقق ما يريده من “أمنياته” -المسطورة في مقالته- فلن يقفز الدَّخْل الفردي للمُواطن إلى الأوْج، ولن يشهد الاقتصاد الوطني ارتفاعا عجائبيًّا، ولن تصبح البلاد قوة إقليمية حتى وإن كرَّروها على مسامعنا إلى حد الغثاء!

نحن نعلم جيدا المنابر الإعلامية التي تحالفت مع القوى حين ضربت بإرادة الشعب عُرْض الحائط في العقود السابقة، ونعلم جيدًا مدى الحقد الذي تحمله جهات إعلامية لكل ما فيه صبغة إسلامية.

المشكلة التي يجب على الإعلامي الصادق معالَجتها هي باختصار في نوع المنظومة الحاكمة منذ 1962، إذ لا معنى لتغيُّر أسماء الوزراء ما دام السِّرداب الذي يوجِّه المسيرة واحدًا، والخديعة الكبرى هي أن يدندن الصحفي على غير المَواجع التي يعاني منها الشعب، فهذه خيانة لقضية الأمة مهما كان مقدار السخرية في عمود “نقطة نظام”!

وعَوْدًا على بدءٍ ورُجوعا إلى الصَّخَب الذي أثاره عنوان مقالة الأستاذ بوعقبة “إعلام الهدهد لا إعلام أبي هريرة”، وحتى يتضح التناسق في ما بدأتُ به وما قصَدتُّ إليه أقول: لن أذكر فضائل سيد المحدِّثين وإمام الصادقين والثقة الأمين أحد فقراء الصحابة الذي سخَّر حياته كلها لتتبُّع الرسول الكريم وسماع أحاديثه مُشافَهة دون واسطة، إذ فضائل أبي هريرة ومكانته لدى كل الطوائف الإسلامية في القديم والحديث أشْهَرُ من أن تُذكَر وأغزَرُ من أن تُحصَر، وأتمنى من بوعقبة أن يُكلِّفَ نفسه بقراءة بعض تلك الفضائل حتى يدرك حجم المأساة التي وقع فيها، أقول: لن أذكر أي شيء من تلك الفضائل، ولكن سأواجهك يا سيد بوعقبة بنقطة واحدة؛ الإعلام الذي وَصَمْتَهُ بإعلام العنعنة وإعلام أبي هريرة كانت له قضية شريفة كُرِّست لها حياة مئات الآلاف من الرواة رجالا ونساءً في مختلِف العصور، وبُذِلت لأجلها المُهَج وأُذِلَّت لها النفوس.

كانت لهؤلاء الرواة قضية إنسانية عالمية تحمل في طيَّاتها رسالة عظيمة مختصَرة في عبارة قرآنية واحدة: “ولقد كرَّمنا بني آدَم”، كان الرجال والنساء يحضرون مجالس الحديث والرواية ليحفظوا لنا نصوصَ وأحكامَ شريعةٍ جاءت لتكريم الإنسان وإخراجه من ظلمات الرِّقِّ إلى نور الحُرِّيَّة، هذه قضية هؤلاء الرواة وهذه حكاية إعلام العنعنة يا سيدي وهي ذاتها قضية إعلام الهدهد الذي هدى الله به ملكة سبأ فأخرجها من رِقِّ التعبُّد لكوكب ناريٍّ إلى رحابة التحرُّر، فما هي قضيتك يا بوعقبة؟ وما حكاية إعلامك؟

هناك حدود لا يمكن لكم تخطِّيها ولذا نجد مواقفكم مطابِقة تماما لمواقف الديكتاتوريات العربية والثورات المُضادَّة، هذا مع أنكم مُعارَضة.. فماذا لو كنتم في صفوف الموالاة!!

نحن نعلم جيدا المنابر الإعلامية التي تحالفت مع القوى حين ضربت بإرادة الشعب عُرْض الحائط في العقود السابقة، ونعلم جيدًا مدى الحقد الذي تحمله جهات إعلامية لكل ما فيه صبغة إسلامية، نحن الجزائريين ندرك تماما أن الذي استطاع الوقوف ضد إرادة شعبٍ حيٍّ فلا يُستغرَب منه أن يَغْمِزَ رجالا مضوا إلى ربهم منذ 14 قرنًا.

ندرك جيدا تلك المنابر الإعلامية التي ترفع شعار حرية التعبير وهي نفسها تقف ضد إرادة الشعوب في مصر وسوريا وليبيا واليمن، ندرك جيدا أن المعارضة التي تدَّعون تمثيلها إنما هي معارَضة في ما يُتاح لكم فيه الاعتراض، هناك حدود لا يمكن لكم تخطِّيها ولذا نجد مواقفكم مطابِقة تماما لمواقف الديكتاتوريات العربية والثورات المُضادَّة، هذا مع أنكم مُعارَضة.. فماذا لو كنتم في صفوف الموالاة!!

في الأخير لا أظن أن طول الكلام علاج مناسب، فالبلاغة هي “التطويل في موضع التطويل والقصْر في موضع القصْر”، وأظن أن بلاغة هذا الموضوع في هذه العبارة المُركَّزة: إذا كان إعلام أبي هريرة قد أقام حضارة عالمية زاخرة طيلة قرون؛ فماذا قدَّم إعلامكم طيلة عقود لملايين الشعب الجزائري؟ ما أرى هدهد إعلامكم إلا ببَّغاءً يا حضرة الأستاذ!

 

شاهد أيضاً

العثمانية رواية للكاتب المتألق الطيب صياد

#إبن_سيدي_عامر الكتاب السادس والعشرون من #إصدارات_الجزائر_تقرأ ~ العثمانية، رواية للكاتب المتألق الطيب صياد 😀 💙 “العثمانية” رواية ترصد حياة مخطوطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *