خرائط من أجل المعرفة.. وفلسفة للحياة

د. مجدي سعيد

خرائط من أجل المعرفة
خرائط من أجل المعرفة

 

نعيش في هذه الدنيا أعواما وعقودا أحيانا دون خريطة نهتدي بها في رؤانا ومعارفنا وأخلاقنا ومواقفنا وسلوكياتنا حتى إذا أراد الله لنا أن تتفتح بصائرنا عما كنا عنه في غفلة عرفنا أن الخريطة قريبة منا، بل بين أيدينا، ونحن ساهون عنها، نجد منها النسخة المختصرة المكودة، والنسخة المفصلة بعض التفصيل، والمفصلة بشكل أكبر، ونجد نموذجا عمليا للسير على هداها، ليس نموذجا واحدا، بل ثلاثة نماذج متفاوتة المستويات.

  • نحو خريطة أولى:

حينما نتدبر الآيات التي افتُتِح بها الوحي من أوائل سورة “العلق”: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم” نعرف أننا لسنا فقط أمام خريطة معرفية، بل إننا أمام خريطة للحياة بمجملها، فإذا عميت علينا المعاني، وجدنا منظورا آخر للخريطة في فاتحة الكتاب، فإذا غم علينا الأمر، وجدنا في الكتاب تفصيلا وتبيانا لكل شيء.

فحينما يقول الله تعالى: اقرأ باسم ربك فإننا أمام محدد هام ونور هادي، ورؤية للعالم (الكون والحياة والإنسان) منطلقة من توحيد الله، وتعدد ما سواه، ومنطلقة من ربوبية الله لكل شيء “رب العالمين”، نحن إذا أمام مصدر نور أزلي أبدي نقرأ في ضوئه كل ما في الحياة، والقراءة هنا لا تعني فقط المعنى المباشر للكلمة، بل المعنى الواسع والعميق للقراءة، والذي يشبه في سعته وعمقه مصطلح النظر في الخطاب القرآني “قل سيروا في الأرض فانظروا”، فكما أنا القراءة لا تعني فقط مجرد reading ، فكذلك لا يعني النظر هناك مجرد looking ، فالقراءة تعني الفقه والاستيعاب والعلم والمعرفة المتعمقة.

وحين نقرأ كذلك “اقرأ باسم ربك” فإننا هنا أمام الإيمان بالغيب ودوره في الحياة والشهود، فدون إيمان بتوحيد الله وإيمان بالغيب، تصبح الحياة عبثا أو عبئا أو غابة، وحينما يحضر التوحيد والغيب تتغير قيمة الحياة وكل ما فيها، من وحي النظرة الإيمانية لها من أنها “مزرعة للآخرة”، وأن الهدف النهائي والأسمى فيها هو الخلافة، والتي تقتضي العبادة والعمران والإصلاح وحقن الدماء، وهي أشياء تقتضي التزكية والحكمة..إلخ.

أما حين نقرأ قوله تعالى: “الذي خلق” فإننا ننتقل بموضوعات المعرفة هنا من عالم الغيب إلى عالم الشهود، والذي يتسع للقراءة في الخلق جميعا، والذي يعني كما قلنا الفقه والاستيعاب والعلم والمعرفة المتعمقة بجميع خلق الله: نباتا وجمادا، وحيوانا، وحشرات، وطير، وأفلاكا، وأرضا..وما فوق ذلك وما دونه، والقيام في كل ذلك بمقتضى الخلافة والعبادة والعمران والإصلاح.

أما حينما نقرأ قوله تعالى: “خلق الإنسان من علق” نعرف أننا انتقلنا من موضوع الخلق عامة، إلى موضوع الإنسان خاصة، جسدا وروحا ونفسا، فردا وجماعة، شعوبا وقبائل، وهو من ثم موضوع معرفي خاص، بل شديد الخصوصية هنا، إذ أفرده ربك بعد إجمال، وخصه بعد تعميم.

أما حينما نقرأ هذه الثلاثية: “اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم”، فإننا نعرف أننا قد انطلقنا إلى بحار ومحيطات معرفية لا ساحل لها “قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا” وأننا مُستَنْفَرون ومُستَفَزُّون إلى السعي نحو المعرفة طالما بقي ما لم نعلم، وطالما أنه فوق كل ذي علم عليم، فحتى لو وصلنا إلى نهاية العلم وغايته، فهناك بعد نهاية العلم، علوما أخرى لا نعلمها، لا حدود لها، ومن تلك الثلاثية نكتشف أهمية التدوين “بالقلم”، ونعلم كيف أننا أمة يقل فيها التدوين مقارنة بغيرنا من الأمم، التي دونت الخبرات المكتسبة في حياة الأفراد والمؤسسات والمجتمعات، وأن هذه الخبرات المدونة تطورت وتقعدت وصارت علوما شتى للنفس والاجتماع والأنثروبوجيا والاستشراق، واللسانيات والإدارة وغيرها من العلوم.

يبقى أن نعرف أن الجمع بين القراءتين الواردتين في الآيات، وفي ضوء أوامر القرآن بالسير والنظر، وإعمال الحواس، والعقل، بحثا عن الآية والبرهان، والسلطان، يقتضي قراءة ارتقائية تعيننا بمرور الوقت واتساع وتعمق المعرفة على مزيد من الفهم لمعاني القرآن والحديث، وتجلياتهما العملية في سيرة الرسول وخلفائه الراشدين، وسير الصالحين من الأمة، في ظل مقتضيات عربية النصوص “بلسان عربي مبين” وعلومها المتراكمة عبر اجتهادات العلماء عبر العصور، وعبر ما يتكشف من قراءة الكون والحياة والإنسان وعبر تجليات العلوم ووقائع الحياة وتقلباتها، بما يضيء لنا مساحات من النصوص، ومساحات من تطبيقاته في ضوء المقياس والمعيار “باسم ربك” والنور الهادي والحاكم في القرآن، وهي قراءة ارتقائية تدفعنا أيضا لمزيد من السير والنظر والتدوين والتحصيل المعرفي والعلمي في كافة مجالات علوم ومعارف  الخلق، والإنسان.

  • نحو خريطة ثانية:

تنطلق الخريطة الثانية من سؤال من أنا؟ ومن أكون؟ وماذا أفعل في الزمان والمكان ووفق مقتضيات تغير الحال؟ أنا المؤمن المسلم المنطلق من الخريطة الأولى، وقد أتيت في هذا الزمان وهذا المكان وفي ظل تلك الأحوال، فترتسم بالضرورة خريطة لمعرفة الذات الحضارية في أبعادها زمانا (ماضي وحاضر ومستقبل) وفي أبعادها مكانا (وطنا وإقليما وعالما) وفي أبعادها انتماءا (أمة المؤمنين المسلمين) وفي أبعادها إزاء الآخر (لتعارفوا) و(أعدوا).

ولأن لكل منا طاقة وعمرا، وموضعا وموقعا، ومحيطا ونقطة ارتكاز، فإن كل ذلك يقتضي أن نرسم من نقطة ارتكازنا، وفي نور “اسم ربنا” ووفق طاقتنا “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” مجالات ومساحات للمعرفة، قد نرسمها مع من يقاربوننا في نقاط ارتكازنا، وفي مجالات اهتمامنا وتخصصنا، ونرسمها لتتكامل مع مجالات ومساحات معرفية أخرى، تسد في مجموعها مساحات “فروض الكفايات”، وترسم لنا سبيل أن نكون ذاتنا الإنسانية والحضارية والإيمانية، وأن نكون جزءا من رسالة أمتنا، التي تعرف دائما الإجابة على سؤال: من نحن، وماذا نريد، وهو سؤال لو تعلمون ديناميكي، يكتسب ديناميكيته من تغير وتطور كل ما حولنا، وإن كان في ديناميكيته، يدور حول محور نور التوحيد والإيمان بالغيب ، ولا ينسى الناس في ضوئه أننا نسعى جميعا لأن نكون “باسم ربنا” سائرون.

شاهد أيضاً

التربية البيئية ومواجهة تحديات الطبيعة.. كيف للبيئة أن تغير حياتنا؟

التربية البيئية ومواجهة تحديات الطبيعة.. كيف للبيئة أن تغير حياتنا؟

    إن العجز في إدراك دور الإنسان وموقعه في بيئته، وضعف المعرفة الأوليّة عند …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *